ابن سيده

27

المحكم والمحيط الأعظم

العرب ، يُحافِظون عليه ويَدَعُون غيرَه إليه ، أعْنِى أنهم قد يُؤْثِرُون المُحاكاةَ والمُناسبةَ بين الألفاظِ تاركينَ لِطَرِيقِ القِياسِ ، كقَوْلِه عليه السلام : « ارْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ غيرَ مأْجُوراتٍ » « 1 » ، وكَقَوْلِهم : عَيناءُ حَوراءُ ، من العينِ الحِيرِ ، وإنما هو الحُورُ ، فآثرُوا قَلْبَ الواوِ ياءً في الحُورِ إِتْباعاً لِلْعِينِ ، وكذلك قولُهم : « إنِّى لآتِيه الغَدايَا والعَشَايا » جَمَعُوا الغَداةَ على غَدايا إتْباعاً للعَشَايَا ، ولَوْ لا ذلك لم يَجُزْ تكْسِيرُ فُعْلةٍ على فَعائِلَ . ولا تَلْتَفِتَنَّ إلى ما حكاهُ ابنُ الأعرابىِّ من أن الغَدايا جمع غَدِيَّة ، فإنه لم يَقُلْه أحدٌ غيرُه ، إنما الغَدايَا إتْباعٌ ، كما حَكَاهُ جميعُ أهْلِ اللُّغةِ ، فإذا كانوا قد يَفْعلُون مثلَ ذلك غيرَ مُحْتَشِمينَ من كَسْرِ القِياس ، فأَنْ يَفْعلُوه فيما لا يَكْسِرُ القياسَ أَسْوَغُ ، ألا تراهمُ يقولُون : رأيتُ زَيْداً ، فيقال : مَنْ زَيْداً ؟ ، ومَرَرْتُ بزَيْدٍ ، فيقال : مَنْ زَيْدٍ ؟ ، ولا عُذْرَ في ذلك إلا مُحاكاة اللَّفْظِ ، ونَظِيرُ مُقَابلةِ غَيَّانَ بِرَشْدَانَ لِيُوَفِّق بين الصِّيغَتَيْن اسْتِجازَتُهم تَعْلِيقَ فِعْلٍ على فاعلٍ لا يَلِيقُ به ذلك الفِعْلُ ، لتَقَدُّمِ تعِليقِ فعْلٍ على فاعلٍ يَلِيقُ به ذلك الفِعْلُ ، وكلُّ ذلك على سبيلِ المُحاكاة ، مثاله قَوْلُه تعالى : قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 14 ، 15 ] والاسْتِهزاءُ من الكُفَّارِ حَقِيقةٌ وتَعْلِيقُه باللَّه عزّ وجلّ مَجازٌ ، جلَّ رَبُّنا عن الاسْتِهزاءِ ، بل هو الحَقُّ ومنه الحقُّ ، وكذلك قولُه : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] ، والمُخادعةُ من هؤلاءِ فيما يُخَيَّلُ إليهم حَقِيقةٌ وهي من اللَّهِ مجازٌ ، إنما الاسْتِهزاءُ والخَدعُ من اللَّه مكافأة لهم . ومثلُه قَوْلُ عَمْرِو بن كُلْثومٍ : ألَا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا * فَنَجْهَلَ فوقَ جَهْلِ الجاهِلِينا « 2 » أي : إنما نُكافِئُهم على جَهْلِهم ، كَقوْله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] وهو بابٌ واسعٌ كبيرٌ . وكان قومٌ من العَرَبِ يُسَمَّوْنَ بَنِى زِنْيةٍ فَسَمَّاهُم النبىُّ صلى اللَّه عليه وسلم بَنِى رِشْدَة . * والرَّشَادُ ، وَحَبُّ الرَّشَادِ : نَبْتٌ يقالُ له الثُّفَّاءُ . * ورَاشِدٌ ، ومُرْشِدٌ : اسْمان . مقلوبه : درش * الدَّارِشُ : جِلْدٌ أَسْودٌ .

--> ( 1 ) « ضعيف » : انظر ضعيف ابن ماجة ( ح 344 ) . ( 2 ) البيت لعمرو بن كلثوم في ديوانه ص 78 ؛ ولسان العرب ( رشد ) ؛ وبلا نسبة في لسان العرب ( خدع ) ؛ والمخصص ( 3 / 81 ) ؛ وأساس البلاغة ( جهل ) .